خبير دولي يحلل وضع التحول الرقمي في وظائف المالية والمحاسبة

المؤلف هو رائف لاوسون وهو نائب رئيس قسم البحوث والسياسات وأستاذ مقيم لدى معهد المحاسبين الإداريين (IMA) ويترأس جهود القيادة الفكرية العالمية وبرامج العلاقات الأكاديمية والعلاقات مع الطلاب لدى معهد المحاسبين الإداريين في الخارج. ونال رائف شهادة دراسات عليا في إدارة الأعمال وشهادة دكتوراه من كلية ليونارد أن ستيرن في جامعة نيويورك.

وقبل الانضمام إلى معهد المحاسبين الإداريين، كان رائف رئيس قسم وأستاذاً في قسم المحاسبة والحقوق في جامعة ولاية نيويورك في ألباني. علاوة على ذلك، تبوّأ رائف مناصب قيادية عليا في مجالات ممارسة متنوّعة، وقد ألّف عدّة كتب ونشر أكثر من مئة مقالة في مجلات علمية وتطبيقية رائدة. ويمكن التواصل معه عبر هذا “البريد الإلكتروني“.

مقدّمة عن وضع التحول الرقمي في وظائف المالية والمحاسبة

يشهد دور الوظائف المالية تغيّرات متسارعة مدفوعاً بالتقنيات الجديدة والناشئة، وتتغيّر مع ذلك الطريقة التي تدعم فيها هذه الوظيفة الشركات الكبيرة. وقد تمحورت معظم الدراسات التي بحثت في هذا التغيير على الولايات المتّحدة، أو أقلّه ركّزت على وضع هذه المهنة في الاقتصادات المتقدّمة أكثر من غيرها. من هذا المنطلق، يعاين هذا التقرير الطريقة التي تؤثّر فيها التكنولوجيا في المالية في مناطق أخرى في العالم، وفي الشرق الأوسط (بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة ومصر) والهند.

التحوّل الرقمي في مجال المالية

التحوّل الرقمي (digital transformation) يعني دمج التكنولوجيا الرقمية في شركة ما. وعند إدخال هذا التحوّل يفضي ذلك إلى تغييرفي الطريقة التي تُجري فيها هذه الشركة أعمالها وفي الطريقة التي تتّخذ فيها قراراتها وتطبّقها وفي الطريقة التي تقيّم فيها موظّفيها وأخيراً في الطريقة التي تمنح عملاءها القيمة. ولكي تبقى وظائف المالية ذات صلة وأهمّية ولكي تساعد شركاتها على التنافس، عليها أن تكون جزءاً من هذا التحوّل. فلنسبة تفوق النصف بقليل من الشركات الكبيرة (ألف موظّف أو أكثر)، سبق أن اعتُمد التحوّل الرقمي إلى حدّ بعيد (أو بعيد جدّاً). في المقابل، للشركات الصغيرة (أقلّ من خمسين موظّفاً)، قرابة نصف تنظيماتها المالية لم تنخرط في التحوّل الرقمي أو انخرطت فيه إلى حدّ صغير لا أكثر. ومع أن ذلك قد ينعكس على الإمكانية الأوسع للتحسينات التشغيلية التي بإمكان الشركات الكبيرة تحقيقها باستخدام التكنولوجيات الناشئة، فهو يعكس أيضاً الموارد المحدودة التي على الشركات الصغيرة تخصيصها للمبادرات الرقمية. (الرسم البياني 1)

بيد أن التحوّل الرقمي في مجال المالية يشهد تسارعاً في أرجاء المنطقة، مدفوعاً بالتنافس الطبيعي بين الشركات ومتسارعاً بفعل جائحةكوفيد 19. فقد ازدادت بمقدار النصف تقريباً نسبة وظائف المالية في الشركات الكبيرة التي أعلنت عن اعتمادها تحوّلات رقمية شاملة بين العامَين 2019 و2020. وكان هذا التغيير بارزاً أكثر بكثير لدى الشركات المتوسّطة الحجم، التي غالباً ما تواجه هوامش أضيق وموارد محدودة أكثر، إذ ازدادت النسبة فيها أكثر من الضعفَين. وفيما تلجأ الشركات على مختلف أحجامها إلى التكنولوجيا لتحسين عملية التخطيط ووضع الموازنات، يرجّح أكثر أن تلجأ الشركات الكبيرة (59 في المئة) إلى هذا الإجراءمقارنة بالشركات الصغيرة. وهذه النتيجة التي تتشابه في مختلف الدول في الدراسة ليست بأمر مفاجئ لأن للشركات الكبيرة حاجةً أكبر للتخطيط الاستراتيجي المتكامل ولها أيضاً موارد أكبر لتخصّصها لهذا الأمر.

ومن بين أبرز المعوّقات التي تواجهها المالية في هذا الخصوص الحاجةُ إلى الاستمرار بالتركيز على مسؤوليات المالية الجوهرية، مما يحدّ من القدرة على التركيز على المسؤوليات الجديدة الناشئة (الرسم البياني 3). ومع أن هذا العائق يسود أكثر ما يسود في الشركات الكبيرة، فقد كان العائق الأكثر شيوعاً للشركات ذات الأحجام الأخرى أيضاً.

وقد ازدادت أتمتة العمليات بالروبوط (RPA) بشكل هائل على مدى الفترة الزمنية للدراسة. ففي العام 2019، أشارت نسبة 57 في المئة من الشركات إلى أنها لم تطبّق أتمتة العمليات بالروبوط، لكن بعد مرور سنة، نسبة 28 في المئة فقط من الشركات التي شملها الاستطلاع لم تباشر باعتماد أتمتة العمليات بالروبوط بعد. والعائق الأكبر حيال اعتماد أتمتة العمليات بالروبوط، بغضّ النظر عن حجم الشركة، هو مخاوف الموظفين من تداعيات الأتمتة على وظائفهم. ومن المخاوف الأخرى معارضةُ الموظفين للعمل باستعمال التكنولوجيات الروبوطية. ويترافق مع الاعتقاد بأن الأتمتة ستمنح رضى وظيفياً أعلى اعتقادُ معظم الشركات بأن الأتمتة ستساعد على زيادة الاحتفاظ بالموظفين في مجال المالية والمحاسبة، سواء إلى حدّ بعيد (23 في المئة) أو إلى حدّ ما (31 في المئة). وقد فاق عدد هذه الشركات إلى حدّ بعيد عدد الشركات التي تعتقد أن الأتمتة سوف تخفّف من الاحتفاظ بالموظفين إلى حدّ بعيد (6 في المئة) أو إلى حدّ ما (23 في المئة).

البيانات وتأثيرها على التحول الرقمي في وظائف المالية والمحاسبة

تستفيد الشركات في أرجاء العالم من القدرات التكنولوجية والتحليلية المحسّنة لاعتماد مقاربة تعتمد أكثر على البيانات من أجل إدارة أعمالها، وليست الشركات في الشرق الأوسط باستثناء. فتضمين البيانات المالية والتشغيلية على حدّ سواء بإمكانه أن يفضي إلى عملية اتّخاذ قرار أكثر متانة ونشاطاً (الرسم البياني 7). ويشكّل تحديث البيانات، أي نقلها من قواعد بيانات قديمة إلى أخرى حديثة، عنصراً أساسياً للكثير من الشركات التي ترغب في أن تصبح قراراتها مرتكزة على البيانات، ولدى أكثرية الشركات في هذه الدراسة (73 في المئة) مبادرات محدّدة لمعالجة هذه المسألة. وفي ما يعكس الحاجة إلى حكومة بيانات قوية وبنية تحتية ذات جودة من أجل الحرص على سلامة البيانات ونوعيتها، تُدرج معظم الشركات التي طالها الاستطلاع (77 في المئة) خططاً لأمن البيانات كجزء من جهود التحديث لديها.

وفي ما يخصّ استعمال التطبيقات المالية المرتكزة على السحابة، فمنذ بدء الجائحة، خفّفت الشركات الكبيرة من استعمال مراكز البيانات الخاصة التي تقع خارج مقرّاتها والتي تُستخدم لهذه التطبيقات، وزادت في المقابل استخدامها للبرمجيات المرتكزة على السحابة، وعلى البرمجيات داخل الشركة لكن بحدّ أدنى. وتبرز حكاية مشابهة في ما يخصّ تخزين البيانات. فالشركات على مختلف أحجامها تنتقل إلى تخزين البيانات في السحابة، مع أرجحية أكبر للشركات الكبيرة مقارنة بالشركات الصغيرة للتخلّي عن حفظ بياناتها ضمن مبانيها حصراً (الرسم البياني 9).

التحليلات (Analytics)

تعرف أكثرية الشركات أن تحسين قدراتها التحليلية مسألة حاسمة لنجاحها وصمودها، إذ تساعدها على كسب أفضلية تنافسية أو تساعدها على المحافظة على مكانتها الراهنة في السوق. لكن للكثير من الشركات، بيّن الاستطلاع الذي أجريناه أن اعتماد تحليلات متطوّرة ما زال عملاً جارياً، فعدد قليل جدّاً منها اعتمد بالكامل تقنيات التحليل المتطورة وتكنولوجياتها التي يرغب فيها (الرسم البياني 11). وتتمحور أولوية أساسية لدى الشركات حول اعتماد أدوات إدارة إجراءات الأعمال، أي تكنولوجيا أتمتة الإجراءات التي تشمل التنسيق الفعّال بين الأفراد والأنظمة والبيانات (الرسم البياني 12). وقد اعتمد أكثر من نصف الشركات الكبيرة المشمولة في دراستنا هذه الأدوات.

التحضير للمستقبل

لقد غيّر اعتماد التكنولوجيات الجديدة واستعمال أدوات التحليل المتطوّرة وتقنياتها بشكل مكثّف أكثر العلاقةَ بين المالية والمجالات التنظيمية الأخرى. ففي الشركات من الأحجام كافة، يجد السواد الأعظم منها (78 في المئة) أن المالية باتت تعتبر بشكل أكبر كشريك أعمال يساعد على تحسين اتّخاذ القرارات ويحسّن إدارة الأداء (الرسم البياني 14).

وتحتاج للشركات التي ترغب في استعمال التكنولوجيا المتقدّمة والقدرات التحليلية لتصبح مستندة على البيانات إلى أربعة عناصر أساسية: أشخاص ضليعون بالبيانات وبيانات ذات جودة وأدوات متطوّرة وإجراءات ومحفّزات تدعم عمليةَ اتخّاذ القرارات التحليليةَ (أي النية التنظيمية).

في دراسة أجريناها مؤخراً، تبين لنا أن نسبة عالية من محترفي المالية والمحاسبة في الشرق الأوسط (89 في المئة) مهتمّون بشحذ مهاراتهم أو بكسب مهارات جديدة. وفيما كان هذا الأمر ملفتاً قبل تفشّي فيروس كورونا، زادت الجائحة من اهتمام محترفي المالية في شحذ مهاراتهم لأن الكثير منهم قلق إن كانت مهاراته ستبقى ذات أهمّية وصلة بعد الجائحة.

من هذا المنطلق، عند التحضير للمستقبل، ما هي المهارات التي يجب أن تركز عليها وظائف المالية؟ برأي الذي شملهم استطلاع الرأي، يعتبر الذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات أهمّ مهارتَين تكنولوجيتين في مجال المالية في السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، يليهما تخطيط موارد المؤسّسات (ERP) وتصوير البيانات وأتمتة الإجراءات (الرسم البياني 17).

أما أكثر التحديات شيوعاً في تحسين القدرات التحليلية فهي كلفة الاستثمار في تكنولوجيات جديدة (30.3 في المئة) يليها مباشرة تنمية المهارات اللازمة في الموظّفين الحاليين (29.4 في المئة) وموارد الموظّفين المحدودة/التركيز على المبادرات المتنافسة (29.2 في المئة) وصعوبة استخدام موظفين يتحلّون بالمهارات اللازمة (28.6 في المئة) (الرسم البياني 18).

خاتمة المؤلف حول التحول الرقمي في وظائف المالية والمحاسبة

يستجيب محترفو المالية والمحاسبة في الشرق الأوسط إلى التحديات والفرص التي تطرحها التكنولوجيا المتطوّرة لتحويل وظيفة المالية رقمياً. فالثورة الرقمية تترك أثراً في الكثير من إجراءات المالية للشركات الكبيرة والصغيرة على حدّ سواء. وفيما تواجه المالية تحديات في تطبيق تحوّلها الرقمي، تمّ تحقيق تقدّمات بارزة للغاية في السنة المنصرمة وسوف يستمر هذا المنحى. وعبر الجمع بين الخبرة الأساسية التقليدية التي تتحّلى بها المالية والمهارات التكنولوجية والتحليلية المحسّنة، تستطيع المالية أن تصبح شريك أعمال حقيقياً، يدعم الشركات في اتّخاذ قرارات تستند على الرؤى، فيحسّن بذلك من القيمة التنظيمية.

About Author